ابن قيم الجوزية
354
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
عاجزة لا تقدر على شيء ، فكيف يجعلونها شركاء للّه ، ويعبدونها من دونه ، مع هذا التفاوت العظيم ، والفرق المبين ؟ هذا قول مجاهد وغيره . وقال ابن عباس : هو مثل ضربه اللّه للمؤمن والكافر ، مثل المؤمن في الخير الذي عنده ، ثم رزقه منه رزقا حسنا . فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرا وجهرا . والكافر بمنزلة عبد مملوك عاجز ، لا يقدر على شيء ، لأنه لا خير عنده ، فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء ؟ . والقول الأول : أشبه بالمراد ، فإنه أظهر في بطلان الشرك ، وأوضح عند المخاطب وأعظم في إقامة الحجة ، وأقرب نسبا بقوله : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ . فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ثم قال ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ . ومن لوازم هذا المثل وأحكامه : أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه اللّه رزقا حسنا والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء . فهذا مما نبه عليه المثل وأرشد إليه . فذكره ابن عباس رضي اللّه عنهما منبها على إرادته ، لا أن الآية اختصت به . فتأمله فإنك تجده كثيرا في كلام ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرمان فيظن الظان أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره ، فيحكيه قوله . فصل وأما المثل الثاني : فهو مثل ضربه اللّه سبحانه وتعالى لنفسه ولما يعبد من دونه أيضا . فالصنم الذي يعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم ، لا يعقل ولا ينطق ، بل هو أبكم القلب واللسان . قد عدم النطق القلبي واللساني ، ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء البتة . ومع هذا فأينما أرسلته لا يأتيك